محمد فاروق النبهان

117

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

ثانيا : كلف عثمان لجنة رباعية أحد أفرادها زيد بن ثابت الذي قام بجمع القرآن في عهد أبي بكر . ثالثا : هناك إشارة إلى أن جمع عثمان للقرآن كان يستهدف كتابة القرآن ورسم القرآن وتوحيد القراءة ، « فاكتبوه بلسان قريش » وهذا دليل على أن أي خلاف لا يمكن أن يتعلق بنص القرآن ، وإنما يتعلق بلغة القرآن وكتابة القرآن ، وحدد لهم عثمان أنه إذا وقع أي خلاف بينهم وبين زيد فليكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم ، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الباقلاني من أن ما قصد إليه عثمان هو جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة ، وإلغاء ما ليس كذلك ، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير . وهكذا يتبين لنا أن جمع أبي بكر كان يستهدف جمع القرآن في مصحف واحد بعد أن كان مفرقا في الرقاع ، وجمع عثمان كان يستهدف توحيد القراءة ، لئلا يقع اختلاف بين القراء في قراءة القرآن ، والأحاديث التي رواها البخاري في سبب الجمع الأول والجمع الثاني واضحة الدلالة على الأسباب التي دفعت أبا بكر للقيام بجمع القرآن ، والأسباب التي دفعت عثمان للقيام بتوحيد القراءة القرآنية لكي تكون موافقة للغة قريش . ويبدو أن بعض المستشرقين هالهم هذا الجهد المحكم الذي قام به الصحابة في وقت مبكر من تاريخ الإسلام ، منطلقين في ذلك من إيمانهم بالقرآن ، مدركين واجبهم في حماية نصوصه ، متطلعين لمرضاة اللّه ، فانطلقوا كعادتهم في مثل هذه المواقف يشككون في كل رواية ، ويلتمسون لأنفسهم عذرا في طعن مقدسات الإسلام ، مفسرين الأحداث والمواقف تفسيرا مريبا ، فتارة يكتشفون صراعا بين المكيين والمدنيين ، وتارة يفسرون ظاهرة عادية بما يحقق أغراضهم من إثارة الشبهات . وأفضل رد على هؤلاء تجاهل ما يثيرونه من شبهات ، وبخاصة تلك الشبهات التي لا يقوم عليها دليل ، ولا تؤيدها حجة ، لأن غايتهم الأولى من إثارة تلك الشبهات إشغال المسلمين بالرد عليها ، وأنهاكهم بتتبعها ، وإيصال صداها إلى المجتمعات الإسلامية لكي تكون في موطن النقاش والجدال .